الرئيسية / قسم الاخبار / الاخبار الرئيسية / دراسات وتقارير / أولى حلقات “أمير الشعراء 8″ تحتفي بـ” عام التسامح” شعراً وغناءً وحضوراً

أولى حلقات “أمير الشعراء 8″ تحتفي بـ” عام التسامح” شعراً وغناءً وحضوراً

لجنة التحكيم تؤهل الجزائرية رابعة العدوية بـ45 درجة

“أوبريت التسامح” أبدعه أميرا الشعر “كريم معتوق” و “حيدر العبدالله”

من أبوظبي مدينة البحر والسلام، وعاصمة إمارات الخير والمحبة والثقافة والتسامح؛ انطلقت ليلة أمس الثلاثاء أولى حلقات برنامج “أمير الشعراء” الذي تنظمه وتنفذه “لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية” في أبوظبي، بعد عامين من انتظار عشاق الشعر العربي الفصيح لهذا البرنامج الذي شهد منذ انطلاقه عام 2007 متابعة متميزة، وإقبالاً كبيراً من الشعراء الناطقين بالضاد من جميع دول الوطن العربي، إلى جانبهم شعراء من دول غير عربية لكنهم يتقنون لغة الضاد وكأنها لغتهم الأولى.

من مسرح “شاطئ الراحة” في أبوظبي بدأت الحلقة الأولى من “أمير الشعراء” بحضور جمهور غفير وعدد من المسوؤلين الذين شهدوا انطلاق الموسم الثامن، الذي يبث عبر قناتي الإمارات وبينونة.

وقد حضر ليلة أمس الشيخ عبدالله بن محمد بن خالد آل نهيان، ومعالي اللواء فارس خلف المزروعي رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية في أبوظبي، ود. سلطان الرميثي أمين عام مجلس حكماء المسلمين، وعيسى المزروعي نائب رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية، وسلطان العميمي مدير أكاديمية الشعر،إلى جانب عدد من ممثلي وسائل الإعلام والصحافة المحلية والعربية، فيما امتلأ المسرح بالجمهور المشجع للشعر وللشعراء كذلك.

التسامح شعراً وغناءً وحضوراً

بدأت الأمسية بملحمة “الشعر والإمارة” التي انطلقت فصولها بأوبريت “التسامح”، وهو من كلمات الشاعرين كريم معتوق وحيدر العبدالله الفائزين بإمارة الشعر في دورتين مختلفتين، إذ فاز معتوق بإمارة الشعر في أول موسم، فيما فاز العبدالله في الموسم السادس.

والأوبريت من ألحان وغناء الفنان فايز السعيد، والفنانة يارا التي كان لها حضور آخرٌ في الأمسية عبر أغنية قدمتها على المسرح باللهجة الخليجية التي أبدعت بها منذ انطلاقتها الفنية.

وفي هذا العام تم اختيار الإعلامية لجين عمران لتقديم الموسم الثامن، والتي حيّت الجمهور والمشاهدين من مسرح “شاطئ الراحة”، الصرح الذي يحتضن انطلاق رحلة جديدة نحو إمارة الشعر، والذي بدا ليلة أمس في أحلى صورة، من حيث الديكور والإخراج الذي اعتمد على الإضاءة، وذلك بالجمع بين الأصالة المتمثلة بالتراث الذي تحرص الإمارات على المحافظة عليه والاحتفاء به، والحداثة التي تنتهجها الإمارات اليوم لمنافسة أرقى الدول فيما تقدّم.

ثم تحدثت عمران عن (عام التسامح) الذي أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، ليكون شعار عام 2019، بما يؤكد ترسيح وتعزيز دولة الإمارات كعاصمة عالمية للتسامح، من خلال تعميق لغة الحوار وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة. وأشارت لجين أن هذا العام يأتي امتداداً لـ”عام زايد”، كونه يحمل أسمى القيم التي عمل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه” على غرسها لدى أبناء الإمارات.

وحول “عام التسامح” قدّم البرنامج تقريراً بدأ بكلمة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حول تلك القيمة السامية، وأهمية وجودها في المجتمع أياً كان، بما يمثل من استقرار للدول والشعوب على حد سواء. فقد كان التسامح ركناً أساسياً من أركان نهج زايد، الذي تبنته الإمارات في سبيل إقامة جسر للتواصل مع العالم.

وأشار التقرير إلى أن “عام التسامح” يقوم على خمسة محاور أساسية تتمثل في: تعميق قيم التسامح والانفتاح على الثقافات والشعوب في المجتمع من خلال التركيز على هذه القيم لدى الأجيال الجديدة، وترسيخ مكانة دولة الإمارات عاصمة عالمية للتسامح من خلال مجموعة من المبادرات والمشاريع الكبرى منها المساهمات البحثية والدراسات الاجتماعية المتخصصة في حوار الحضارات، والتسامح الثقافي من خلال مجموعة من المبادرات المجتمعية والثقافية المختلفة، وطرح تشريعات وسياسات تهدف إلى تعزيز قيم التسامح الثقافي والديني والاجتماعي، وأخيراً تعزيز خطاب التسامح وتقبل الآخر من خلال مبادرات إعلامية هادفة.

وبالتالي سيكون العام احتفاءً بما قدمته الإمارات لتكون أرض التسامح والتعددية الثقافية في ظل وجود أكثر من 200 جنسية.

وتحدث د. علي بن تميم، وعضو لجنة تحكيم البرنامج مدير عام شركة أبوظبي للإعلام، عن الرسائل التي يحملها برنامج “أمير الشعراء”، حيث يأتي “عام التسامح” بعد “عام زايد”، موضحاً أن العلاقة بين العَامين متصلة وقوية. فالتسامح منطلق فكري وإنساني مضيئ، وبالتالي علينا أن نحتفي بهذا العام، وأن نحوّله إلى قيمة شعرية باذخة، خاصة وأن التسامح أضحى دافعاً رئيساً في مسيرة الإمارات التنموية.

وذكّر د. بن تميم زيارة البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى دولة الإمارات، والتي تتزامن مع زيارة شيخ الأزهر الشريف الإمام د. أحمد الطيب. ومن هنا ركّز على ضرورة الوقوف في وجه ثقافة الكراهية والتمييز بكل مستوياتها، واحتكار الصواب لجهة دون سواها، وكل ذلك لا مكان له بيننا؛ فالشعر هو الحب والمودة والألفة والأُلّاف نفسه.

واختتم د. بن تميم بمقولة للشيخ زايد اتخذها منهج حياة، وأسلوب تفكير، ومنهجاً إنسانياً عظيماً، حيث قال: (إنني لا أنفرد برأيي، ولا أفرضه فرضاً، ولكن إن كانت هناك آراء مخالفة لرأيي؛ عدلت إلى الرأي الأصوب، لأنني أعتبر هذا فضيلة كبيرة).

وتمنى أن يكون هذا الموسم من البرنامج عامراً بالشعر والتسامح والمحبة، متطلّعاً إلى أن يقدم الشعراء الشعر القادر على صهر الثفافة، وعلى إعادة إنتاج الشعرية العربية الماكنة، واستعادة الأصالة في إطار التجديد والتحديث، بما يجعل للشعراء مكاناً يشغلونه في عالم الإبداع والشعر.

شعراء الموسم الثامن

بعد التقرير الخاص بعام التسامح؛ تم تقديم تقرير عن الشعراء العشرين الذين وصلوا إلى “شاطئ الراحة” ليبدأوا رحلة المنافسة للفوز بلقب الإمارة والبردة والخاتم.

وفي التقرير تحدث الشعراء عن المشاعر التي تخالجهم تجاه الكلمة والشعر و”أمير الشعراء” أيضاً، وهم: عائشة جمعة عبدالله علي الشامسي وشيخة عبدالله محمد المطيري ومنى حسن عبدالله عبدالصمد من الإمارات، وهبة عبدالحميد محمد الفقي ومبارك سيد أحمد عبداللطيف وميار أحمد أبوسليمان من مصر، وعبدالسلام حاج نجيب من سوريا، وهاني صالح إبراهيم عبدالجواد ويارا حجاوي من الأردن، ورابعة العدوية بدري من الجزائر، بالإضافة إلى محمد الأمين ديوب من السنغال، وعلي حسن إبراهيم من البحرين، وخلود بناصر من المغرب، وأماني الزعيبي من تونس، وسلطان بن محمد سبهان الشمري وأحمد عسيري من السعودية، وابتهال تريتر ودينا الشيخ من السودان، وسعد جرجيس اسعيد من العراق، وعبدالمنعم حسن من مالي.

وليلة أمس تنافس أمام لجنة التحكيم المكونة من د. علي بن تميم، ود. عبدالملك مرتاض، ود. صلاح فضل؛ ثلاث شاعرات وشاعر واحد بعد إلقاء قصائدهم أمام اللجنة التي منحتهم الدرجات التي يستحقون، وهم: رابعة العدوية بدري من الجزائر، والتي تأهلت إلى المرحلة الثانية إثر حصولها على 45 درجة، متقدمة على عائشة الشامسي من الإمارات التي حصلت على 43 درجة، وسعد جرجيس من العراق وميار أحمد أبو سليمان من مصر، اللذين حصل كل منهما على 40 درجة.

رابعة.. سفر وحنين

في قصيدة بعنوان “سفر وحنين” استطاعت الشاعرة رابعة العدوية الجمع بين الشعر العمودي الكلاسيكي وشعر التفعيلة، ويبدو أن هذا نمطاً كانت قد اشتغلت عليه، ولها تجربة فيه، وفي بداية نصها قالت:

ما لامست كفّاي أنقاض الأسى إلّا وقام لذكر أمي بيتُ

أفرغتُ صدري فيه، مؤمنة بها يمّمت شطر فؤادها، صلّيتُ

ما زال تكثر في مداي دروبها ما زلت أمشي، كي أقول أتيتُ

ما زلتُ أمشي كل هذا الكون من خلفي يميد

أمشي كأنّ الأرض من تحتي تعدّد خطوَ من مرّوا بموكبها المجيدْ

يتمايلون كما الضبابِ.. يشردون شعوب دمعي

سيكسرون بخطوِهم بي ألف ضلع.. لن يكفّوا مثلما وجعي العتيدْ

د. صلاح فضل قال للشاعرة: تعرفين أن لكل شخص من اسمه نصيب، وأنت تحملين اسم شاعرة عذبة روحية هي رابعة العدوية، تمسكين بقضية بالغة الحيوية والجمال، تتمثل في علاقة البنت بأمها، وأمك ليست هي التي ولدتك فقط، لكنها أيضاً رابعة العدوية. إذ فيك نفحة من شعرها الجميل، ومن طاقتها الروحية الطيبة.

وأضاف: لديك تفاصيل دقيقة كنّ الأمهات يصفن بها بناتهن، لكنك هنا تعبّرين عن العلاقة مع أمك، وتمزجين وتبدعين بين أشكال الشعر العمودي في بداية النص، وشعر التفعيلة في أبيات أخرى، فتجرين وراءك القافية. ومعروف أن قصيدة التفعيلة تتخفف من القوافي، فيما أنتِ تكثرين منها كي ينتظم النص، وتوفقين كثيراً. غير أن في النص بعض الهَنَات اليسيرة. أما قولك (يشرّدون شعوب الدمع) فهو غريب.

والأم لديك موجودة منذ عهد موسى، فتتماهين معها في الأحزان، وتوردين صورة بديعة تتمثل في (أمي تمزّق ثوبها الزهري منذ زمن بعيد)، وفي (مسكت في قلق ثيابي.. آلمتني.. ونسيتُ أن أتألّما)، وفي (يا أيها البحر المعتّق بالهوى بلّغ سماها أنني أشتاق).

ومع أن الشاعرة كانت بحاجة لمراجعة القوافي كي لا ينكسر وزن البيت – كما قال د. فضل – إلا أنها قدمت نصاً يفوح بالشعر وعطر الأنوثة بصوره الجميلة وبأبياته الدالة. وختم بالقول: أتقنتِ وأحسنتِ نسبتكِ إلى اسمكِ، وإلى جدتكِ رابعة العدوية.

من جهته قال د. علي بن تميم: إن رابعة نوّعت في الأشكال عبر النص، فبدأت بثلاثة أبيات عمودية، وتابعت مع شعر التفعيلة، وظلت محتفظة بكلمة (أمشي)، وكأنها لازمة لوصول المرء إلى المبتغى. وهذا التنوع أضفى تنوعاً على إيقاع تفعيلة بحر الكامل.

أما الأم فتحضر في النص حضوراً رائعاً. والشاعرة تعبر عن الحنين بمفردة (المشي) التي تكررت أربع مرات، فتمشي لتصل إلى أمها، وتتخذ القصيدة مشاهدها، كما تظهر شخصية الأم في ثلاثة مستويات، من بينهما مستوى عن الابنة، ومستوى آخر عن الحياة. وفي النص استدعت رابعة حكاية أم موسى، وهو استدعاء بديع ومعبر. والبيت الذي قالت فيه: (آلمتني.. ونسيتُ أن أتألّما) ذكرني بمقطع للشاعر محمود درويش حينما قال: (صاحت فجأة جنديةٌ: هو أنتَ ثانية؟ ألم أقتُلكْ؟ قلتُ: قتلتِني ونسيتُ مثلكِ أن أموت). وحين قالت: (قيد كأنّ الأم أرضي ليس لي وطن سواها)؛ إنما عبرت عن لحظة حزن جميل وشفاف، يعطي النص شعريته الباذخة.

د. عبدالملك مرتاض قال إن رابعة عوّدت من يعرفها في الجزائر أن تبتدء بالشعر العمودي، ثم تكتب القصيدة بالتفعيلة، وهذا أمر يشجّع عليه. فالمنطلق يكون من التراث والأصالة، ثم بالولوج في الحداثة.

وأشار د. مرتاض إلى جمال النص. لكنه توقف عند بعض الهَنَات التي تكررت فيه، مثل (أمشي، أكبر، تكبر) فالأصل أن المرء يريد الكبرياء لا الكبر في السن. وأضاف: حين دخلت الشاعرة في التفعيلة لم تكد تتخلص من العمودي، فذهبت إلى قوافٍ مثل (بعيد، جديد، عتيد، مجيد)، وربما خرجت بها عما كان يجب أن يكون في قصيدة التفعيلة الحديثة. غير أنه أشاد بتجربتها البديعة والصادقة، والتي تنوّه فيها الشاعرة بالأم وتخاطبها مذ عهد أم موسى، وهو ما يدل على أنّ في النص شغلاً وجهداً لا بد من التنويه إليها.

سعد.. قمر وأصابع الحرب

ثاني شعراء الأمسية هو الشاعر سعد جرجيس من العراق، والذي ألقى قصيدة “قمر وأصابع الحرب” التي قال في أبياتها الأولى:

أخاف عليك من زمن القتالِ ومن ليل به صوت اشتعالِ

ومن درب يظل بلا طيورٍ ومن شجرٍ يطلّ بلا ظلالِ

تعالي لا تبالي.. إن أنثى تحاورها الكواكب لا تبالي

سنزرعُ في دجى الأيتام حلماً فإنّ البدر يطلع من هلالِ

إذا ابتسمتْ عيونكِ فاتركيني أعبِّر للقُرى لغةَ الغزالِ

فقلبكِ لا البحار تقول شعراً ولا الشرفاتُ تعبق بالدَّلال

د. علي بن تميم بدأ من القمر، ومن بيت الشاعر العربي في الحرب: (في يومِ حتفٍ يُهالُ النَّاظرون بهِ/ما إنْ تبِينُ به شمسٌ ولا قمرُ). ثم قال: إن حضور وغياب القمر في الحرب طبيعي، لكن الحرب لها أظافر وليس أصابع. وأضاف هناك قصيدة لعنترة بن شداد جاء فيها: (سلي يا عبلٌ عمراً عن فعالي/بأعداكِ الألى طلبُوا قتالي)، وهذه القصيدة مهمة بالمقارنة مع ما جاء في قصيدة سعد من حيث الوزن والقافية، فعبلة (المرأة) تأتي نقيضاً للحرب، وشاهدةً على ثنائية الظلمة والنور. والقمر في قصيدة سعد يحضر تقليدياً، ويتجلي في شخصية المرأة ليبعد عنها شبح الحرب. لكن حضور المرأة في النص فيتسم بالسكونية والنمطية وقلة الحيوية.

وأشار د. بن تميم إلى وجود أربعة أبيات في النص تقوم على بنية الشرط، وهي: (إذا ابتسمت عيونك فاتركيني)، (إذا هبّت رياح البرتقال)، (إذا قرأت وجوه الناس شمسٌ ستنتصر الرقاب)، (إذا ما قريةٌ ضحكت لأخرى تغازلت الجبال)، وهذا التكرار في بنية الجملة يدعوني للقول إن البنية الإنشانية لدى الشاعر ضعيفة جداً، وأزعم أنها سطحية في القصيدة التي قارن د. بن تميم أحد أبياتها مع ما قاله السياب (عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم)، واصفاً الشطر بالبساطة الشديد وبالعمق من ناحية الربط. كما علّق الدكتور على مفردة (البرتقال) التي اعتبرها أنها وجدت في النص لتناسب القافية. وختم بنقد العبارة التي قال فيها الشاعر (تغازلت الجبال مع الجبال)، والأفضل لو قال تغازلت الوهاد مع الجبال، وذلك كي لا يقع في الشبهة المثلية.

د. عبدالملك مرتاض كانت له مآخذ أيضاً على النص، بادئاً بالقول: عودنا الشعراء العراقيون على تقديم قصائد رنانة وكبيرة، لكن قصيدتك – والكلام موجه لسعد – تبدو وكأنها ليست عراقية، وأكاد أقول: (أوردها سعد وسعد مشتملّ/ ما هكذا يا سعد تورد الإبل). أما خاتمة قصيدتك فقد تكون أجمل من مطلعها. وأشار د. مرتاض إلى قول الشاعر (كما ارتجف الحرام من الحلال) معتبراً أنه تشبيه ديني وليس شعرياً. وإلى جانب ذلك لم يكن المطلع مدهشاً (أخاف عليك من زمن القتالِ/ومن ليل به صوت اشتعالِ)، مقارناً ذاك البيت مع بيت أبو تمام (كذا فليجلّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ/فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ). مشيراً إلى أن الشعراء العموديين العرب حرصوا على أن تكون مطالع قصائدهم مدهشة، تجذب المتلقي.

ومن جهة أخرى فإن القصيدة تصور الحروب التي تكتسح أكثر من بلد عربي، لكن نفَسَها يحتاج إلى قوة، وتشكيلها يحتاج إلى تجميل، وانسيابها يحتاج إلى سلاسة، وصورها تحتاج إلى بلورة. ومع ذلك أعجبني البيت الذي ينتصر للتسامح (إذا ما قريةُ ضحكت لأخرى/ تغازلت الجبال مع الجبال) الذي انتقده د. علي، إذ أنني أتناوله من وجهة المضمون. ومع ذلك قدمت نصاً جيداً إلى حد بعيد.

من ناحيته أكد د. صلاح فضل أنه وسواه يتوقعون دائماً الفحولة الطاغية من شعراء العراق، لكن إن جاء شعر العراقيين ليناً أصابوا المتلقي بشيء خيبة الأمل. ثم علّق على النص الذي يتناول الشعر جدلية الحب والحرب، وهي جدلية هامة ومعاصرة وساخنة، لكن المطلع ضعيف ومباشر، ويرتبك الشاعر عندما يقول: (أعبّر للقرى لغة الغزالي)، وهذا التعبير ليس بالمتانة المتوقعة من سعد.

وأضاف د. فضل: تطل قليلاً على عالم نزار قباني عندما تقول: (فقبلك لا البحار تقول شعراً/ولا الشرفات تعبق بالدلال)، لكنك تحسن عندما تغني لأرض الجمال وتعلن انتصار الحياة، وتجعل القرى تضحك لبعضها، ولو جعل التقابل بين الوهاد والجبال لكان أفضل. وفيما يتعلق بالقافية فتستعبدك حيناً. وأضاف: من الذي قال إن الحرام يرتجف من الحلال؟ على العكس، لأن الحرام في منتهى الفجور والقوة والذي يرتعش هو الحلال عادةً. ورأى د. فضل أن النمط العمودي يأسر الشاعر، لذلك لا بد أن يتحرر منه. ثم ختم بسؤاله: لا أعرف لماذا يصر الشعراء العراقيون أن يكونوا من سلالة الجواهري فيما يتركون سلالة السياب.

عائشة.. سأتلو الوجد في عينيك

ثالثة شعراء الأمسية عائشة الشامسي من الإمارات، والتي ألقت نصها “سأتلو الوجد في عينيك”، وكان لجنة التحكيم آراءً نقدية حوله، نظراً لعدد الأسئلة المطروحة في النص، والتي تجسدت بمفردة (أتذكر).

أتذكرني فإني طفلة هزت جدار الصمت باستحيائها علنا

وما أدراك ما الأنثى إذا هبت تسافر تقتفي أحلامها وطنا

وتنفض عن عباءتها هنا وهماً وتمضي ظلها باقٍ وإن ظعنا

أتذكر كفّي المغلول أعواماً فمن يهدي لنا باباً يحرّرنا

فندلف فيه نكتب فيه عشاقاً ونشرب كأس وحشتنا فيسكرنا

أتذكر وجهي المسكون في شعري وأرى فيه لو تدري أنا وأنا

د. عبدالملك مرتاض أكد أن عائشة قدمت نصاً جميلاً، وتجربة أنثى في الحب، لكنها انتهت بخيبة وحرمان. موضحاً أن في القصيدة عاطفة تشبه البركان الثائر (فهذا المشهد الجمري يسكنني/ يراودني كأحلام فيشعلنا)، وهنا بدت له أن التجربة مشتركة بين طرفين، وهو ما يمثُل في القول (يسكرنا، يحررنا، فتبصرنا، تشعرنا). وأضاف أن النص يبدو في ظاهره بسيطاً، لكن مع تكرار القراءة يشف عن تجربة أنثوية عنيفة تكاد تنفجر فينفجر معها كل ما يحيط بها (تكوّم فوق جفني ها هنا صبرٌ/أنا أنثى حرثت العمر والزّمنا)، وهو ما يدل على صدق التجربة التي ارتقت بالنص إلى الشعرية الجميلة، بما يشتمل عليه النص من استفهامات تدل على القلق الوجودي.

أما د. صلاح فضل فقال لعائشة: إنك تتخذين موقفاً وجودياً عاتياً في القصيدة. وشعرك فيه تحدٍّ، والاستفهامات الواردة فيه ليس ناعمة ولا هيّنة ولا بسيطة، إنما هي مثل الطعنات (أتفعل، أتذكر)، فتنفضين الأسمال والأغلال وتبحثين عن باب التحرر، وتلك شجاعة تحسب لك كثيراً، وتعثرين على هذا الباب بطرائق ثلاث، هي العشق والوحشة والشعر، وهي طرائق محفوفة بالأشواك. لكنك تتعثرين قليلاً في نسق القافية التي لا تتبع نموذجاً واحداً وتتغيير قليلاً. كما يتكوّم الصبر فوق جفنيكِ بصورة بليغة وقوية، وأنت تحرثين العمر والزمن، فما العمر إلا أضلاعاً مبللة بأنوار سنية. لكنك تراوغين قليلاً، فلا تميزين في خطابك للآخر مَن هو السجّان ومن المسجون، والواقع أن كليهما سجّان ومسجون، كما لا تميزين بين القاتل والمقتول، وكأنك تعمدين للمزج بينهما. وإن تجربتك في الحرية في الشعر وفي البوح العسير الذي ليس سهلاً، قد تتعثرين قليلاً غير أنك تنطقين بالوجد القوي الشعري المشبوب.

وعلق د. علي بن تميم على النص بقوله: إن الشاعرة كتبت قبل القصيدة إنها محاولة لاستنطاق البحر الوافر، (مفاعلتن مفاعلتن فعول). لكن ما قامت به تمثل بإضافة حركة طويلة، فصار الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعول فا). وهذا من وجهة نظره ليس استنطاقاً، إنما استسلاماً للبحر، معتقداً أنها كانت ستحاول التحايل على البحر.

ووجد د. علي في النص وجْداً وألماً يكاد يمحو الذات، ثم طرح سؤالاً حول إن كان ما سبق يتناسب مع مكانة المرأة المعاصرة، ومع ما تسعى إليه من استقلال بذاتها ومن تفرّد؟

وأضاف: يتكرر الفعل (أتذكر) أربع مرات في النص، وهو مفتاح حكاية المرأة السجينة الحزينة التي تحن إلى السجان، وتتمنى أن ينظر إليها بعين الحب، فهل هذا عشق وتسامح. مستشهداً بما قال جميل بثينة (خليليّ فيما عشتما هل رأيتمـا/قتيـلاً بكى من حـبّ قاتلـه قبلي).

وأكد. بن تميم أن عائشة تختار بعض الكلمات بعشوائية، مثل (وما أدراك، ما الأنثى، إذا هبّت، أنا أنثى حرثت العمر والزمنا)، والغريب أنها تقول (أنا أنثى) وكأن في ذلك شك، وكأن الفحولة لا تعرف الأنوثة. ومع ذلك أثني على لغة النص وصوره وقدرته على التعبير بصورة مجازية وبجمال.

ميار .. في محراب الشوق

خاتمة الشعر ليلة أمس كانت مع ميار أحمد أبو سليمان من مصر، والتي ألقت قصيدة “في محراب الشوق”، ومما جاء في أبياته الأولى:

والله لم يرد النوى غير الجوى قل كيف يرتدّ الفؤاد عن الهوى؟

آمنت لا بالحب بل بعذابه ألا شريكَ لمن على قلبي استوى

وليت أشواقي قُبيل مدامعي شطر انتظار سلَّ من روحي القوى

مدّ الغياب دروبه فتمهّدت ما للقاء طريقه عنّا انطوى

سأعيد موسقة النهار لصدفة وأعدّ ناي الليل لو أملي هوى

وأدندن الذكرى فتهمي أدمعي تروي القصيدة من فؤادٍ ما ارتوى

كانت البداية في النقد مع د. صلاح فضل، حينما قال لميار: أنت شاعرة حقيقية. وقد اخترناك لتكوني من بين الشعراء الـ20. وأضاف: إنك تديرين قصيدتك المتماسكة في وحدتها وبؤرتها العاطفية على الضنى والشوق، وجميل أن تؤمني بعذاب الحب، فاستجاب الجمهور لك، لأنه يبدو معذباً بالحب أيضاً، فعلامات الحب لا تخطئ، أي الانتظار والغياب والحضور.

ببساطة وعفوية آسرة تسكبين عواطفك في الشعر، كما في قولك: (سأعيد موسقة النهار لصُدفة/وأعدّ ناي الليل لو أملي هوى)، وتجيدين التعبير عن اللحظة الرومانسية الملائمة لعمرك، وكأنك النسخة الأنثوية للشاعر إبراهيم ناجي، فأنت وريثة الزمن الجميل، عندما كان العشاق يسهرون والمصباح والأقداح والذكرى معهم. وتقولين: (أدندن الذكرى فتهمي أدمعي/تروي القصيدة من فؤاد ما ارتوى). وما أجمل ختامك (أنا آخر النجمات تهجر ليلها/تبغي إلى عينيك منفى لا سوى)، فتقولين شعراً جميلاً وتخرجين عن القاعدة.

أما د. علي بن تميم فقد قال: إن حسن المطلع من الفطنة، وأعتقد أن القصيدة ما أحسنت في مطلعها، حيث أن تكرار الألف المقصورة فيه أضعفها، أي (الجوى، النوى، الهوى). وأضاف: إن هذا البيت يذكّر بالشاهد البلاغي الشهير حينما تكرر القاف والراء (وقَبرُ حَربٍ بمكانٍ قَفرٍ/ولَيسَ قُربَ قَبرِ حَربٍ قَبرُ قالوا)، فتكرار الحرف المنظوم يكون ثقيلاً على النفس، ونازلاً عن الفصاحة، ومعيباً في البلاغة. كما تذكّرتُ قصيدة فدوى طوقان “في محراب الأشواق” التي كتبتها قبل نصف قرن، وفيها جرأة واعتراف أكثر من هذه قصيدة ميار، لأن الشوق كان ينمو فيها، أما الشوق هنا فأعتقد أنه لا يحدد بالعلاقات الإنسانية، وهو ملتبس وبلا فكرة، ولا أدري هل هو خوف من الإفصاح والاعتراف؟.

وأضاف د. علي أعتقد أن الشعر الحقيقي وصوت المرأة يجب أن يكسرا حدة ذلك الخوف، خاصة وأن اللغة قادرة على البوح ببواطننا، وبعد أن كنا ننتظر ذاك العشق فاجأتنا ميار بقولها (يا ابن الخيال)، لنشعر بأن الشوق هنا مجردٌ لا ينطلق من العلاقات الإنسانية. فعادة يبحث المحب عن وطن في عين من يحب لا عن (منفى) كما جاء في النص.

لكن حين قالت الشاعرة (أنا عالم خاوٍ ومزدحم بلا/صوتٍ يضجّ، أعي وأجهل ما احتوى) فقد أبرزت ثنائية جميلة كنت أتطلع أن يُبنى النص عليها، بدل تكرار المشاعر وطرح الأسئلة التعجيزية، كما ورد في قولها: (قل كيف يرتدّ الفؤاد عن الهوى)، (ما لللقاء طريقه عنّا انطوى).

وختم د. عبدالملك مرتاض بالحديث عن الجانب اللغوي. وقال إن ميار استعملت مفردة (الصُّدفة)، وهي مفردة لا وجود لها في المعجم، كما استخدمت لغة مثل (تروي القصيدة من فؤادٍ ما ارتوى) وهنا كان عليها استخدام تروي، وليس ارتوى، ومع ذلك استشهد بالبيت الذي بلغت فيه ميار الشعرية (أنا عالم خاوٍ ومزدحم بلا/صوتٍ يضجّ، أعي وأجهل ما احتوى)، فهو برأيه بيت جميل، ويكفى للتنويه بالقصيدة.

بعد ساعتين من الشعر والنقد والفن انتهت الحلقة، وفي ختامها أعلنت لجين عمران عن شعراء الحلقة القادمة التي ستُبثّ يوم الثلاثاء القادم الموافق 5 فبراير / شباط 2019، وهم: ابتهال ترتير من السودان، خلود بناصر من المغرب، عبدالمنعم حسن من مالي، وهاني عبدالجواد من الأردن.

شاهد أيضاً

بيوت الشعر العربية.. احتفاء مُميّز بالقصيدة

تشهد بيوت الشعر العربي، احتفاء مميز باليوم العالمي للشعر، من خلال اقامة حُزمة من الفعاليات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *