الرئيسية / دليل الأمسيات / قصائد مجنحة في مهرجان الشارقة للشعر العربي

قصائد مجنحة في مهرجان الشارقة للشعر العربي

كانت الشارقة على موعد استثنائي، ليلة أمس الأول، ضمن الأمسية الثانية من فعاليات مهرجان الشعر العربي، في دورته الثامنة عشرة، التي تعاقب على منصتها ثلة من الشعراء العرب المميزين الذين أشرقوا بشموسهم على امتداد القصيدة، وهم: مؤيد نجرس، ووسام العاني من العراق، وبشرى عبد الله من الإمارات، وأمين الربيع من الأردن، وعلي حسن من البحرين، وعبد المنعم حسن من مالي؛ وقدمتها الإعلامية والكاتبة صفية الشحي.
افتتح الأمسية مؤيد نجرس بهطول شعري هادر على أرض القصيدة، كان أشبه بمطر مشحون بمعاني الغربة والشجن في حوارية عميقة بين الذات والوطن تعكس ذلك الحنين وتلك الرؤية الشعرية العميقة التي تضيء بشموعها دهاليز الحياة، ومن أبياته:

يا قشةً قصمتْ ظهرَ الغروبِ.. فمن/ أي السماوات يا مولاي قد هطلوا؟/ مَرُّوا شوارعَنا الخرقاء فابتسمتْ/ تلكَ البيوتُ وأَرخى حُزنَه الطَلَلُ/ وأقحموا ضوءَهم أنحاءَ قَريَتنا/ وأَودَعُوه فتيلَ الحبِ.. واشتعلوا/وعلّموا الشمعَ أنْ يُبدي تَواضعَه/ للعاشقين.. فيَحنو كلّما أَفَلوا/ ثم استَرَدُّوا مَواعيداً مُؤَجلةً/ اسّاقطتْ حَشفا من حَولها القُبلُ/ فَمِن رَميمِ حكاياتٍ تبادَلَها/ فمُ النهاياتِ واسْتشرى بها المللُ.

وعكست أبيات بشرى عبدالله الروح الأنثوية الراقية في مرايا الشعر، وتهادت نصوصها كالأنهار محمّلة برقة وقوة في آن، لتجعل من الأسئلة ملاذاً، ومن البكاء ماء يروي الحنين في إحدى قصائدها المعنونة «باب الروح» التي تقول في بعض أبياتها:

هنالك في الرّوحِ/ بابان/ نافذتان/ وشمسٌ لها رغبةٌ/ في البُكاءِ/ وصمتٌ يلوِّحُ للشّمسِ/ ألّا بكاءَ/ سيروي الحنين/ فلا تفتحوا البابَ/ خلّوا الهواءَ/ يمارسُ طقسَ التّجلِّي/ دعوا الشمسَ/ تلبسُ خلْخالها/ وتراقصُ ضوءَ الحقيقةِ/ حينَ تكسَّرَ في الظِّلِّ/ حينَ تعودُ/ إلى العَتمةِ المشتهاةِ/ ففي العَتمةِ/ النّارُ تُذكي الغناءَ/طويلاً طويلاً.

وبعد ذلك اعتلى المنصة أمين الربيع، فاختار أن يمنح للجمهور بعضاً من تجلياته، في شكل قصائد مجنّحة، حلقت إحداها فوق أسمى معاني الحب وقدمت رؤية لسمائه الروحية، حيث كانت بعنوان «عذريون»، ومما جاء فيها:

آمنتُ أنَّ الحُبَّ يختلفُ/ خُضْنا وهُمْ في شَطِّهِ وَقَفوا/ سِرنا على كَتِفِ الرِّياحِ رؤىً/وأكُفُّنا كالوقتِ تَرْتَجِفُ/ما مرَّ طيرٌ: عَلَّهُمْ مَرِضوا/أو مرَّ طيرٌ: رُبَّما نَزَفوا/ أَهدى الصَّحارى ملحُ أدمُعِنا/ شيحاً، وأخفى الأمرَ مَنْ عَرَفوا/صَمَتوا هُنا/ والمتعبونَ بغيرِ القَصْدِ/ مثلُ «مَسيرةٍ» هَتَفوا/حَفِظَتْ خُطى الأقمارِ رِعْشَتَنا/وتَلَعْثَمَتْ في نَقلِها الصُّحُفُ..

أما علي حسن، فكان له مروره الخاص الذي ترك أثره اللامع خلف خطوات نصوصه المحملة بجماليات عالية، التي دخلت في سبر أغوار الذات، ومنها قصيدة تماهت مع احتراق الشاعر في لحظات الكتابة، لكنه كان حريقاً يضيء كالشمس في سماء الشعر، ومما قال فيها:

أَحْرَقْتُ صَوْتِيَ في النَّجْوى وَأحْسَبُني/احْتِراقَ مُسْتَغْفِرٍ في جَمْرِةِ النَّدَمِ/ أَحْرَقْتُ صَوْتيَ مُشْتاقاً فَتُبْصِرُني/تَرى وَلَسْتُ أَرى وارتبتُ حينَ فمي/أَنَامُ حَتَّى أَريحَ اللَّيلَ مِنْ قَلقي/ أَنَامُ حَتَّى كَأَنِّي بَعْدُ لَمْ أَنَمِ/ وَأُغْمِضُ الأَرْضَ في جَفْنيَّ مُدَّعِياً/ بَأَنَّها فيهِما كالطِّفْلِ في الرَّحِمِ/في المَحْضِ لمَّا تَخْلَّقْتُ ارْتِعاشَ رَؤىً/هَلْ كَانَ مُبْتَدئي؟ أَمْ كانَ مُخْتتمي؟.

ومن أجواء الشمس إلى أجواء الظل.. انتقل عبد المنعم حسن بالجمهور عبر أروقة نصوصه التي جاءت لتعرفنا إلى تجربة قادمة من بعيد، ولكنها قريبة من عروبتها وأصالتها، فانثالت محملة بالعبق الإفريقي الساحر، ومنها قصيدته «مشيئة الظل» التي تسامت في أفق تساؤلات الذات، ومن أبياتها:

يقول: جبنتَ قلتُ: بلى.. وأنتا؟/أنا ما زلتُ ظلَّك منذ كنتا/ أسير وراء حرفك مستمد/ يقيني.. والمشيئة حيث شئتا/أنا الظلمات.. واليقطين بابي/إلى فحوى خلاصك يا ابن متّى/ يفيض بك السؤال ويصطفيني/ سؤالي.. ثم تصرخ: قد أَجَبتا/يقول وكان يهذي: قف قليلاً/فإن جميع صمتك بات شتّى..

ورسم وسام العاني بكلماته لوحات فنية توالت ألوانها، وجاءت محملة بفصول طبيعة الشعر الخلابة، ومنها قصيدته «سَبعونَ خريفاً»، التي يقول فيها:

وهْوَ يقاومُ في رأسي أفعى النسيانْ/ كَنَبيٍّ أعزلَ/ يبكي جرحَ الأرضِ على كَتِفي/ ينزفُ حُلماً فوق قميصي/ وحقولُ قصائدِهِ تنمو/كالزيتونِ على خاصرتي/ وكزهرِ اللوزِ على شَفَتي/ظلّ يَجوبُ مَنافي الأرضِ كطائرةٍ منْ ورقٍ شاحبْ/خيطُ الفولاذِ يُجرِّحُها.

واختتمت الأمسية بحفل توقيع ديوان «أحلام ومدى» للشاعر الإماراتي طلال الصابري، الذي حاز هذا العام جائزة الشارقة للشعر العربي.

شاهد أيضاً

أحمد الغمّاز وعباس داخل حسن في ملتقى عمون للأدب والنّقد

استضافتْ أسرة ملتقى عمون للأدب والنّقد الأردنيّة ممثّلة برئيستها الأديبة المخضرمة صباح المدنيّ بإدارة الأديبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *