الرئيسية / دليل الأمسيات / تجربة أحمد بنميمون الشعرية في دار الشعر بتطوان

تجربة أحمد بنميمون الشعرية في دار الشعر بتطوان

حل الشاعر المغربي أحمد بنميمون ضيفا على دار الشعر في تطوان، ضمن حلقة جديدة من تظاهرة «شاعر بيننا» يوم الثلاثاء 19 يناير/كانون الثاني الجاري، في فضاء مدرسة الصنائع والفنون الوطنية في تطوان. وقد قدم الشاعر والمترجم المغربي محمد العربي غجو تجربة أحمد بنميمون، التي تمتد منذ ستينيّات القرن العشرين إلى اليوم. وقال غجو: «أحمد بنميمون قبل أن يكون شاعرا هو بالتأكيد قيمة فنية وشعرية وإنسانية كبرى، هو عنوان مرحلة، ورمز جيل، وأيقونة مخاض ثقافي ومجتمعي، وشاهد على تحولات المغرب المعاصر ثقافيا وشعريا وسياسيا. أحمد بنميمون عنوان على ولادة القصيدة المغربية الحديثة من رحم المعاناة. عنوان جيل شعري واجه سلطة الرقابة والمصادرة، ففجر الكلمة وفخخ العبارة وأذاب رصاص المرحلة في محلول قصيدة عنفوانية منتفضة، جريئة طافحة بمعاني الممانعة والمقاومة. جيل رفض الاستكانة إلى مهاوي السقوط والانتظار، وامتطى خيول الشهادة والاستشهاد، آمن بالكلمة موقفا وبالشعر شهادة».

نضال الشاعر

وأضاف أنّ حضور الشاعر المبكّر ارتبط بنضال النخبة الثقافية المغربية عامة، والشفشاونية خاصة، في زمن سنوات الرصاص، حين واكبت بالكلمة والموقف تحوّلات المجتمع، وسعت إلى «مجابهة قوانين المنع، وتوسيع هامش الحرية، حرية التعبير الفكري والأدبي، وتأسيس ثقافة بديلة منفتحة ومناهضة للثقافة التقليدية المتكلسة، ثقافة تتوق للجديد والمختلف والمتحرر، وتستعصي على التطويع والاحتواء والتدجين». كما استحضر لحظة تأسيس مهرجان أصدقاء المعتمد في مدينة شفشاون، حيث برز دور الشاعر إلى جانب الشاعرين عبد الكريم ومحمد الميموني، في «أن تظل شعلة المهرجان على امتداد جزء مهم من دوراته متقدة، وأن يمتد إشعاعه وصداه في كل ربوع البلاد، فيغدو أشبه ما يكون بعكاظ مغربي، تستنفر فضاءاته وقاعاته جمهورا غفيرا ذواقا، ويستقطب نخبة من خيرة شعراء المغرب ومبدعيه، يأتونه من كل فج عميق بالجميل الغض من أشعارهم لتتردد أصداؤها في قمم الجبال، وتتدفق أحرف كلماتها عذبة رقراقة في الجداول والسواقي».
ورغم كونه شاعرا سبعينيا في المنطلق والمنشأ، كون نصوصه الشعرية والمسرحية ساهمت في رسم الملامح العامة لشعر تلك المرحلة وطبعتها بميسمها وبصماتها، غير أن الشاعر أحمد بنميمون وضدا على كل منطق تحقيبي يحاول سجن المبدع داخل أطر زمنية محددة، جعل كتابته الشعرية «مرنة ومنفتحة ومتفاعلة مع كل أشكال الكتابة الشعرية». وفي هذا الصدد، استحضر المحاضرُ رأيَ الشاعر من حوار سابق مع الشاعر محسن أخريف (منشور في «القدس العربي» بتاريخ 15 ديسمبر/كانون الأول 2006) إذ يقول: «رحلتي الطويلة مع الكتابة مرت بأشكال الكتابة الشعرية كلها، في محاولة لاكتشاف أي وسائل تعبيرية جديدة، من الشعر التفعيلي إلى القصيدة الغنائية الروح والرؤيا، إلى قصيدة النثر، إلى القصيدة ذات نظام الشطرين، ومن القصيدة الغنائية روحاً ورؤيا إلى قصيدة النثر ومنها إلى القصيدة الملحمية».
كما أثار موقف الشاعر الحذر، سواء من الانعطافة التي أحدثها الشعراء الثمانينيون، حيث اعتبر دخولهم الشعري لم يكن دخولا فنيا، بل كان دخولا «عسكريا» أو من معظم من يكتبون في قصيدة النثر بأنّ لا يدركون – على حدّ قوله – أبعاد مغامرتهم الفنية، وإنما يكتبون لضعف في معرفتهم الإيقاعية وثقافتهم اللغوية ووعيهم الشعري، أو من موجة الرداءة التي اكتسحت المشهد الشعري، مع ظهور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

وإلى جانب تجربته الشعرية، كتب بنميمون في الشعر المسرحي المعاصر مسرحية «نار تحت الجلد» الصادرة سنة 1976، وكتب في القصة القصيرة و«حكايات ريف الأندلس» 2015 و«شهود الساحة» 2016، وفي الرواية «طرقات منتصف الليل» 2019.

ردود ومواقف

وفي أعقاب المحاضرة، تطرّق الشاعر أحمد بنميمون إلى بعض المشاغل التي تهمّه، بوصفه متورّطا في المسألة الشعرية المغربية. فعن جيل السبعينيات الذي ينتمي إليه، أشار إلى: «خروج جيلنا نحن، جيل السبعينيات، من رماد السقوط والانتظار إلى بنية أخرى طبعت نتاجهم، سمّاها المرحوم الشاعر عبد الله راجع (بنية الشهادة والاستشهاد).
والحقيقة أن راجع كان يشتغل في أطروحته التي تناولت أشعار السبعينيّين تحت ضغط المنهج البنيوي، فأخضع قصائدنا لرؤية هذا المنهج، وإن كانت هذه القصائد في الأصل متمرّدة». ولهذا، رفض التحقيب الجيلي، قائلاً: «الأجدى أن نتناول الشعر المغربي منذ الستينيات إلى هذه المرحلة برؤية أخرى تعرّض لها الناقد الشاعر عبد اللطيف الوراري، حينما دعا إلى تجاوز اعتبار تقسيم الشعراء إلى أجيال.. إلى حساسيّاتٍ. وذلك ما تثيره حقّاً ملاحظتنا بأنّ هناك شعراء بدأوا منذ الستينيات وما زالوا إلى هذه اللحظة يتابعون الكتابة بالحيويّة نفسها التي كانوا عليها، أو تجدّ قليلاً. فالعمل برؤية هذا الناقد وتقسيم الشعر والشعراء إلى حساسيات، هو أفضل من أنّ هؤلاء من جيل الستينيات وآخرين من جيل السبعينيات إلى الثمانينيات، وصولاً إلى اللحظة الراهنة».
وردّ على من يقول إنّ «الغنائية مصطلح جامد.. كأنّ ما يكتبه الشعراء لا ينضوي تحت هذه الغنائية» واعتبر أن «الغنائية هي في أصل الشعر الذي يستعمل ضمير المتكلم منذ أرسطو إلى الأجيال التي جاءت بعده، سواء في أدبنا العربي، أو في الآداب الأوروبية» وألحّ على مرجع القصيدة العربية بدل تغريبها. وعن أعماله السردية، التي كتبها في الآونة الأخيرة، لم يُخْفِ استياءه من عدم اهتمام النقد بها، فهي «ما زالت في الظلّ كأنها لم تنشر».
وعن رأيه في قصيدة النثر التي سادت المشهد الشعري، قال: «الذي اكتسح المجال الشعري ليس قصيدة النثر، إنّما الشعر المنثور، أو الشعر النثري؛ ذلك أن قصيدة النثر بشروطها الأربعة التي حدّدتها الناقدة سوزان برنار، والتي جعلت أهم هذه الخصائص أو الميزات هي الكثافة والإيجاز. الآن نجد أمامنا نصوصاً طويلة ممتدة على صفحات لا يمكن أن نقول إنها قصائد نثر. والحقيقة أن هذا الأمر يعيدني إلى أيام كنت أحضّر أطروحة الإجازة، حول الشاعر محمد السرغيني في سنة 1971، الذي قال لي بعض الأمور كنت لا أتصوّرها؛ قال لي ‘إنّ قصيدة النثر أصعب من جميع الأشكال الشعرية الأخرى، وأنا ما زلت في هذه المرحلة لا أستطيع كتابة قصيدة النثر». ربما كان الشاعر محمد السرغيني يعني أن قصيدة النثر بما فيها من إيجاز وكثافة وتركيز هي ما كان يعنيه».
وبخصوص مستقبل الشعر: «سأكون متفائلا، وأقول إنّ مستقبل القصيدة، سواء كانت تفعيلية أو عمودية أو تُكتب بالنثر، سيعرف مراجعة وتطوّرا وإعمال نظر، وسيطوّر الشعراء من فهمهم النقدي والفني؛ فهم للأسف يكتبون الآن «بلغة لا يعرفونها’ كما قال أدونيس».
وللإشارة فإن أحمد بنميمون يظل أحد رواد الحداثة الشعرية في المغرب، منذ سبعينيات القرن الماضي، ومن الأصوات التي أعلنت انتسابها إلى الكتابة الشعرية الجديدة، من خلال ديوانه الشهير «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر» الصادر سنة 1974، وأعماله الشعرية الموالية، وصولا إلى ديوانه الشعري الجديد، وينحدر الشاعر من مدينة شفشاون، وكان شاهدا على ميلاد الشعر المغربي المعاصر، من خلال المهرجان العريق الذي اشتهرت به هذه المدينة منذ الستينيات، ليشرف، في ما بعد، على تنظيم المهرجان في دورات لاحقة وهادرة.
وإلى جانب تجربته الشعرية، كتب بنميمون في الشعر المسرحي المعاصر مسرحية «نار تحت الجلد» الصادرة سنة 1976، وكتب في القصة القصيرة و«حكايات ريف الأندلس» 2015 و«شهود الساحة» 2016، وفي الرواية «طرقات منتصف الليل» 2019. وقد حرص الشعراء والنقاد، الذين أرخوا ونظروا لحداثة الشعر المغربي، على استحضار التجربة اللافتة لأحمد بنميمون، على نحو ما فعل الناقد المغربي المخضرم نجيب العوفي، وكما تجلى ذلك في الدراسات المؤسسة للشاعرين الناقدين محمد بنيس وعبد الله راجع، وفي الدراسة الفريدة للناقد المصري سيد حامد النساج، الذي كتب عن «الأدب العربي المعاصر في المغرب الأقصى» وكذا في كتابات الناقد العراقي طراد الكبيسي، وفي أبحاث واجتهادات نقدية كثيرة.القدس

شاهد أيضاً

“كتاب موريتانيا” يُدشن الحملة الوطنية لمناصرة محمد المامي في “أمير الشعراء9”

نظم اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين أمس الثلاثاء بنواكشوط أمسية أدبية حضرها عدد كبير من الكتاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *